التفاوت في الدخل والثروة داخل كل بلد وفيما بين الدول، وبين الدول المتقدمة والدول النامية واحدة من أبشع مظاهر السياسة النيوليبرالية في ظل عولمة لا تأخذ بالاعتبار القيم الانسانية مثل الانصاف والعدالة أو الأبعاد الاجتماعية التي تؤول اليها ولا تضع حلولا لمعالجة الأضرار الخطيرة لإتساع الأسواق. التفاوت الاقتصادي ينبع من طبيعة نظام الاستغلال الرأسمالي والتوزيع غير العادل للمداخل وزيادة تركيز الصناعة وانخفاض معدلات الانتساب إلي النقابات، وانخفاض معدلات الضرائب الفعالة على الدخل المرتفع والتهرب في بعض الاحيان من دفعها، والتغييرات التكنولوجية المتسارعة. وكشف تقرير عدم المساواة العالمي للعام 2026، عن فجوة هائلة في توزيع الدخل والثروة، حيث تسيطر فئة الـ 10% الأكثر ثراءً في العالم على ما يقارب ثلاثة أرباع الثروات العالمية!! ولا يختلف المشهد كثيرًا عند النظر إلى توزيع الدخل، إذ يستحوذ النصف الأعلى دخلًا على أكثر من 90% من المداخيل، بينما لا يتبقى للنصف الأفقر من البشرية سوى أقل من 10% من إجمالي الدخل العالمي. ويأتي هذا التقرير في توقيت حساس للغاية، حيث تشهد مستويات المعيشة لقطاعات واسعة من الناس تراجعًا ملحوظًا في مختلف أنحاء العالم، وفي المقابل، تزداد وتيرة تركز السلطة والثروة في قبضة النخبة القليلة، مما يعمق من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. وفي ذات السياق افاد تقرير، نشره معهد أبحاث فرنسي، الثلاثاء 9 كانون الاول 2025، بان أغنى 10% من سكان العالم (556 مليون شخص) يستحوذون حاليًا على 53% من الدخل العالمي ويمتلكون 75% من الثروة العالمية، بينما يستحوذ النصف الأفقر (نحو 2,8 مليار) على 8% من الدخل ويمتلكون 2% من الثروة. وأكد التقرير أنّ تقليل هذه الفوارق يعتمد على "خيار سياسي". ووفقًا لمنظمة "أوكسفام" لمكافحة الفقر فان أغنى 10 رجال في العالم يمتلكون ثروة أكبر مما يمتلكه 3.1 مليار من أفقر الناس! اما ثروة أغنى خمسة من أصحاب المليارات في العالم (معظمهم امريكيون) تضاعفت، منذ بداية هذا العقد، فيما شهد ما يقرب من خمسة مليارات شخص انخفاض ثرواتهم !! لو انفق هؤلاء الخمسة مليون دولار امريكي يوميًا فسيحتاجون ل- 476 سنة لاستنفاذ ثرواتهم مجتمعة!!! وكشف تقرير جديد صادر عن منظمة العمل الدولية عن أنه على الصعيد العالمي، تكسب نسبة الـ 10% من العمال الذين يتقاضون أدنى الأجور على مستوى العالم 0.5% فقط من فاتورة الأجور العالمية، في حين أن نسبة الـ 10% الأعلى أجرا تكسب ما يقرب من 38% من فاتورة الأجور هذه. التفاوت في الأجور يبلغ أعلى مستوياته في الدول الفقيرة، حيث يصنف ما يقرب من 22% من العاملين بأجر هناك على أنهم من ذوي الأجور المنخفضة. تحتل الولايات المتحدة أعلى مستوى في العالم من عدم المساواة في الدخل وهذا له آثار اقتصادية وسياسية قد تكون مدمرة: تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي وانخفاض حركة الدخل وارتفاع معدلات الفقر وزيادة ديون الأسر، مما يؤدي إلى زيادة مخاطر الأزمات المالية والاستقطاب السياسي. الغنى الفاحش وتوزيع الثروة لم يتحول إلى موضوع ساخن في الولايات المتحدة إلا في السنوات الأخيرة بعد الركود الاقتصادي الكبير نهاية 2008 الذي تسبّب فيه جشع أرباب المال. ويبدو ان هذا ما حمل الرئيس الأمريكي الاسبق، باراك أوباما، في خطاب له في كانون الاول 2013، على القول: "تزايد اللامساواة في الدخل هو التحدي المهم لعصرنا". أما صندوق النقد الدولي فقد خَلُص تقريرٌ، أصدره في أكتوبر 2017، إلى نتيجة مفادها أن زيادة ضرائب الدخل على الأغنياء ستساعد في تقليص اللامساواة دون أن يكون لها أثر سلبي على النمو. وقال الصندوق: "إن الأدلة التجريبية لا تثبت أن النمو يتأثر سلبا بوجود ضرائب تصاعدية على الأقل في المستويات غير المفرطة". يعيش في الولايات المتحدة 347.3 مليون أنسان ويشكلون 4.22% من سكان العالم لكنهم يستهلكون 25% من موارده! وينتجون نصف الانتاج الصناعي. ويمتلك أغنى 1% من الامريكيين 40% من الاصول الامريكية مقابل اقل 60% يملكها ال 99% الباقون! لقد تضاعف دخل مديري أكبر الشركات الامريكية أكثر من 20 مرة من متوسط الدخل في العام 1965 والى أكثر من 273 مرة في العام 2012 في حين ان الدخل الحقيقي للغالبية العظمى من الامريكيين لم يتغير منذ 1991. في العام 1982 كان متوسط ما يملكه أثرى 400 امريكي يساوي 230 مليون دولار لكل واحد اما في العام 2016 فقفز هذا الرقم الى 6 مليار دولار! دخل 2.5 مليون امريكي يساوي دخل 100 مليون! وأصبح الملياردير الأمريكي إيلون ماسك أول شخص في التاريخ تتجاوز ثروته الشخصية حاجز 850 مليار دولار وهو المرشح الاول للقب اول بليونير في العالم في العالم 2027. نظام ضرائبي يعمق التفاوت معدل الضريبة يعكس بشكل مباشر حجم دولة الرفاه ومدى عدالة سياسة التوزيع. في عام 1981 وصل أعلى معدل ضريبة على الدخل الخاص في الدول المتقدمة إلى 62%، في حين تراجع إلى 35% عام 2015. تقول الدكتورة أندريا كامبل إن أمريكا هي ثالث أقل دولة من ناحية نسبة الضرائب للناتج المحلي في الدول المنضوية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (الترتيب 32 من 34 دولة). في 2009 كانت حصيلة الضرائب على المستوى الفدرالي والولايات والمحليات 24.1% وهي نسبة تساوي نصف النسبة في الدنمارك. وكانت تشيلي (18.2%) والمكسيك (17.4%)، الدولتين الناميتين، الوحيدتين اللتين تقل فيهما الضرائب عن مستواها في أمريكا. في العقود الأخيرة من القرن العشرين كانت الضرائب ترتفع في أغلب دول الصناعية خاصة بعد استحداث ضريبة القيمة المضافة في الستينيات والسبعينيات، باستثناء الولايات المتحدة التي قامت بخفض فعلي للضرائب على أرباح الشركات بينما زادت الضرائب على الاجور. في أوروبا تستخدم الضرائب بفعالية أكبر لإعادة توزيع الثروة وتخفيف حدة التفاوت، لذلك فإن تركّز الثروة في الولايات المتحدة عند شريحة 1% الأعلى دخلا تعادل ضعفًا إلى ثلاثة أضعاف المعدل في الدول الأوروبية. ونتيجة لهذه السياسات فإن دخل الفئات المتوسطة والفقيرة في الولايات المتحدة بالكاد تغير خلال العقود التي تفجرت فيها ينابيع الثروة للأغنياء جراء العولمة والتقدم التكنولوجي غير المسبوق وارتفاع انتاجية العمل. فبين الأعوام 1979 و2015، انخفض الأجر الحقيقي لأدنى 10% من العمال والموظفين 4%، وارتفع بالنسبة للوسيط العددي منهم فقط 9%، بينما سجل أعلى 10% أجرًا زيادة بلغت 35%. ولم يحدث هذا الجمود لدى غالبية الأمريكيين بسبب ضعف انتاجيتهم، فقد زادت انتاجية العامل الأمريكي بشكل مضطرد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي حين ان انتاجية العامل ارتفعت منذ 1979 بنسبة تقارب 133% فإن أجر الساعة للعامل الامريكي لم يرتفع أكثر من 19% ! في الولايات المتحدة الأمريكية هناك عدد من أكبر مليارديرات العالم، لا يدفعون نصيبهم المفترض من الضرائب، بفضل بعض الأساليب، التي تخفض مستحقاتهم الضريبية دون الوقوع تحت طائلة القانون. يقول خبراء ماليون إن الأمريكيين الأغنى ربما يتهربون من دفع ضرائب الدخل بقيمة تصل إلى 163 مليار دولار سنويًا، وفقًا لوزارة الخزانة الأمريكية، والأغلب يفعلون ذلك بشكل "قانوني"! وكشف تحقيق أجرته منظمة "بروبابليكا" (منظمة أمريكية إخبارية مستقلة وغير ربحية) أن أغنى 25 أمريكيًا، بمن فيهم جيف بيزوس ووارن بافيت وإيلون ماسك دفعوا "معدل ضرائب حقيقي" بنسبة 3.4% فقط بين عامي 2014 و2018، رغم ارتفاع صافي ثروتهم الجماعية بأكثر من 400 مليار دولار في نفس الفترة. وتظهر بيانات مصلحة الضرائب أنهم دفعوا ما مجموعه 13.6 مليار دولار فقط من ضرائب الدخل الفيدرالية في تلك السنوات الخمس. واستخدمت "بروبابليكا" بيانات خدمة الإيرادات الداخلية للتعمق في الإقرارات الضريبية لبعض أغنى وأبرز الشخصيات في أمريكا. ووجدت أنه في عام 2007، لم يدفع بيزوس، مؤسس أمازون، ضرائب فيدرالية. في عام 2011، عندما كان صافي ثروته 18 مليار دولار، كان قادرًا مرة أخرى على عدم دفع أي ضرائب فيدرالية - وحتى حصل على ائتمان ضريبي بقيمة 4000 دولار لأطفاله! في العام الماضي، تجاوز صافي ثروة بيزوس 200 مليار دولار. ووجدت "بروبابليكا" أن بافيت، مؤسس شركة الاستثمار "بيركشاير هاثاواي"، دفع 23.7 مليون دولار كضرائب من 2014 إلى 2018، على إجمالي دخل يبلغ 125 مليون دولار. لكن ثروة بافيت نمت بمقدار 24.3 مليار دولار، مما يعني أن لديه "معدل ضريبة حقيقى" بنسبة 0.1%. ونمت ثروة بيزوس بمقدار 99 مليار دولار خلال فترة الأربع سنوات، لكنه دفع معدل ضريبة حقيقيًا بنسبة 0.98%، وفقًا لـ "بروبابليكا" ودفع ماسك ومايكل بلومبرج 3.27% و1.3% على التوالى. على النقيض من ذلك، دفعت الأسرة الأمريكية المتوسطة 14% كضرائب فدرالية، حسبما ذكرت "بروبابليكا". وأوضحت المنظمة، أن أعلى معدل لضريبة الدخل هو 37% على الدخل الذي يزيد عن 523،600 دولار للمشتركين الفرديين، بعد أن تم تخفيضه من 39.6% في ولاية ترامب السابقة. وفي نيسان 2017 كشفت منظمة "أوكسفام" أن الشركات الأمريكية الكبرى الخمسين، والتي من بينها "آبل" و"مايكروسوفت" تودع حوالي 1600 مليار دولار في "دول توفر حسابات سرية للتهرب من الضرائب"، وذلك للحد من الضرائب التي تدفعها في الولايات المتحدة. وتم تقدير عدد فروع الشركات التي أفلتت فعليا من دائرة الضرائب الأمريكية بفضل هذه الشبكة الدولية "السرية" بحوالي 1750 فرعا للشركات في الخارج. وقدر حجم الضرائب التي تم حرمان الولايات المتحدة منها، وفقا لمنظمة أوكسفام بحوالي 135 مليار دولارا أمريكيا. وبحسب الدراسة، فقد أتت شركة آبل في طليعة هذه القائمة مع إيداعها أكثر من 200 مليار دولار في الخارج، تليها "فايزر" بـ (193,6 مليار) ومجموعة "مايكروسوف" (124 مليار). وفي المسح الذي أجراه معهد الضرائب والسياسة الاقتصادية أن 55 شركة كبرى دفعت صفر ضرائب لعام 2020. وأشار إلى أن هناك 26 شركة لم تدفع ضرائب منذ دخول قانون ترامب الضريبي حيز التنفيذ في 2018! كما تظهر الدراسة الاستقصائية أيضا أن متوسط معدل الضريبة الفعلي الذي دفعته شركات " فورتشن 500" (أكبر 500 شركة من حيث القيمة السوقية، حققت مجتمعة أرباحًا بلغت 19.91 تريليون دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 5.68% عن عام 2024) في العام 2018 كان 11.3% فقط، عقب تخفيض ترامب معدل الضريبة من 35% إلى 21%. بينما دفعت الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات أقل من ذلك بكثير، حيث بلغ في المتوسط 7.8%! على الرغم من تكدس الثروات القياسية بشكل متواصل لدى أصحاب المليارات والتحايل "القانوني" على مصلحة الضرائب فان الثروة العامة جامدة بل آخذة بالتناقص وضائقة الديون تزداد تفاقمًا. 38.4 تريليون دولار الدين الوطني تجاوز الدين العام للحكومة الأمريكية، لأول مرة في التاريخ العام الماضي، حاجز 38 تريليون. وتزيد حصة كل مواطن امريكي من هذا الدين 100 ألف دولار. في الوقت الذي تعاني فيه الولايات المتحدة الأمريكية من عجز تجاري صارخ، اذ ارتفع عجز الميزان التجاري للسلع إلى مستوى قياسي بلغ 1.241 تريليون دولار في عام 2025، مقارنةً بـ 1.215 تريليون دولار في عام 2024. تضاعف الدين الوطني الامريكي، منذ العام 2015، من 18.2 تريليون دولار الى 38.4 تريليون دولار في نهاية تشرين الثاني 2025. وهذا يساوي 124.3% من الناتج المحلي الاجمالي. وتتجاوز الفوائد على هذا الدين تريليون دولار سنويا، أي ما يوازي الانفاق العسكري الامريكي في السنة! وهذا ما حمل صندوق النقد الدولي، في اجتماعه في خريف 2025، على توجيه تحذير شديد للولايات المتحدة بشأن هذه معضلة. اذ يرى الصندوق أن غياب الإرادة السياسية لضبط الإنفاق أو إصلاح النظام الضريبي يجعل هذا المسار المالي غير مستدام. فاستمرار إصدار السندات لتمويل العجز يضغط على زيادة أسعار الفائدة، ما يهدد بحدوث "تصحيح حاد" في أسواق السندات الحكومية. خاصة وان هذا السيناريو لا يخص الولايات المتحدة وحدها، بل يمتد تأثيره إلى النظام المالي العالمي برمته، نظرًا لأن الدولار وسندات الخزانة الأميركية هما ركيزتا التمويل والاستثمار العالميين. وإذا تراجعت الثقة في قدرة واشنطن على إدارة دينها العام، فقد نشهد تقلبات كبيرة في حركة رؤوس الأموال، وارتفاعًا في تكاليف الاقتراض الدولية، واضطرابًا في عملات الأسواق الناشئة. وقدر الصندوق إن يصل مستوى الدين الحكومي الأمريكي في العام 2029 الى 131.7% من حجم الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. اما لجنة الميزانية الفدرالية المسؤولة، وهي إحدى أبرز مراكز الأبحاث المستقلة، فحددت عدة سيناريوهات محتملة للأزمة في تقريرها الأخير: أولها، فقدان مفاجئ للمصداقية. في هذه الحالة، ستواجه الولايات المتحدة خيارًا صعبًا: إما التخلف عن السداد أو اللجوء إلى طباعة النقود على نطاق واسع، ما سيؤدي إلى تضخم مفرط. ثانيًا، "الاختناق التدريجي". سيؤدي هذا إلى تراجع الدولار تدريجيًا كعملة احتياطية عالمية، وفقدان الولايات المتحدة مكانتها بوصفها دولة رائدة في مجال التكنولوجيا، لعدم وجود ميزانية كافية للمشاريع الرائدة. ثالثًا، وهذا الأكثر ترجيحًا على المدى القريب: صراعات مستمرة حول سقف الدين في الكونغرس، تفقد الدولار تدريجيًا ميزته الفريدة، وتبدأ دول العالم بالتحول بنشاط إلى الأصول البديلة. وأكدت اللجنة انه على الولايات المتحدة من اجل تحقيق الاستقرار: يجب تنفيذ، في آنٍ واحد، إصلاح جذري للبرامج الاجتماعية، برفع سن التقاعد وتقليص الامتيازات، ورفع الضرائب بشكل كبير، ليس على الأثرياء فحسب بل وعلى الطبقة المتوسطة، وضمان أن تتجاوز معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي 3-4% على مدى عقد من الزمن، وهو أمر شبه مستحيل في ظل التركيبة السكانية الحالية ومستويات الدين. والدين الوطني الامريكي هو ما يمتلكه الأفراد والشركات والحكومات المحلية أو الولائية والحكومات الأجنبية والكيانات الأخرى خارج حكومة الولايات المتحدة، باستثناء أوراق الدين الصادرة عن البنك الفيدرالي للتمويل. وقال مايكل بيترسون، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمؤسسة "بيتر جي. بيترسون": إن وصول الدين إلى 38 تريليون دولار يُعد أحدث مؤشر مقلق على تقصير المشرعين في أداء واجباتهم المالية الأساسية. وأوضح بيترسون أنه إلى جانب تزايد الدين، ترتفع تكاليف الفائدة على هذا الدين، وهى الآن أسرع بنود الميزانية نموًا. وأشار إلى أنه تم إنفاق 4 تريليونات دولار على الفائدة خلال العقد الماضي، لكن سيتم إنفاق 14 تريليون دولار في السنوات العشر المقبلة، لافتًا إلى أن تكاليف الفائدة تعيق الاستثمارات العامة والخاصة المهمة في المستقبل، مما يلحق الضرر بالاقتصاد لكل أمريكي. بدوره، قال مدير السياسة الاقتصادية في مركز السياسات الحزبية، شاي أكاباس، يمكن أن يتحول الأمر إلى وضع أكثر خطورة. "قد يعني ذلك ارتفاعًا حادًا في أسعار الفائدة، وقد يعني ركودًا يؤدي إلى المزيد من البطالة. وقد يؤدي إلى نوبة أخرى من التضخم أو تطورات غريبة في مؤشر أسعار المستهلك. تفاقم الدين مستقبلا سيعرض حتمًا الأمن القومي والبرامج الرئيسية للخطر، بما في ذلك الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، ويمكن أن يشكل خطرًا ماليًا أيضًا إذا بدأ المستثمرون يشعرون بالقلق حيال امكانيات سداد هذه الديون. وهذا ما يتجلى اليوم من خلال تخفيض المستثمرون الأجانب للديون الأميركية - مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية والدول الأوروبية - ممتلكاتهم من سندات الخزانة الامريكية ما يعكس بداية هذا التحرك. التعريفات الجمركية تخفض الناتج المحلي ومن المشكلات الخطيرة الأخرى سياسة التعريفات الجمركية العشوائية لإدارة ترامب، التي أدت إلى حالة من عدم اليقين الاقتصادي الشديد. لم تقتصر هذه النزاعات التجارية على توتر العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والصين ودول اخرى في العالم فحسب، بل عطّلت أيضًا سلاسل التوريد العالمية وأثرت سلبًا على الشركات الأوروبية. هذه السياسة ادت إلى انكماش مفاجئ للاقتصاد الأمريكي في الربع الأول من عام 2025. اذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3%، على عكس ما توقعه الاقتصاديون نموًا بنسبة 0.3%. عدم اليقين الناجم عن سياسة التعريفات الجمركية اسهم في تعليق العديد من المشاريع الاستثمارية. هذا الغموض في التخطيط لا يُبطئ الاستثمار فحسب، بل يُضعف الطلب المحلي أيضًا، حيث أصدرت كبرى شركات التجزئة تحذيرات بشأن الأرباح وأعلنت عن زيادات في الأسعار. وعلى الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع أسعار المستهلكين، وتصاعد حالة عدم اليقين، تتمسك الإدارة الأميركية بموقفها، إذ تؤمن بأن خطة الرسوم الجمركية التي يتبناها ترامب تشكل أداة فعالة لتعزيز التصنيع داخل الولايات المتحدة، وتحسين الميزان التجاري، وزيادة إيرادات الحكومة الفيدرالية. لكن تحليلات كلٍ من مؤسسة الضرائب الأميركية ومعهد بيترسون للاقتصاد الدولي تشير إلى أن هذه الرسوم بدأت تُلحق أضرارًا ملموسة بالشركات والأسر الأمريكية. ومتوقعة أن تؤدي هذه الرسوم إلى خفض معدل النمو الاقتصادي الأميركي بنحو 0.23% في العام 2025، و0.62% في 2026، مما يؤدي الى زيادة العبء الضريبي على الأسر الأميركية بمتوسط 1300 دولار في 2025، و1600 دولار في 2026. كما يُرجح أن ترفع هذه الرسوم معدل التضخم بنحو 1%. وتُقدّر مؤسسة الضرائب أن رسوم ترامب ستؤدي، على مدى العقد المقبل، إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنسبة 0.8%. ولا تقتصر تداعيات التعريفات الجمركية الامريكية على الاقتصاد المحلي، إذ حذّر صندوق النقد الدولي، في اجتماعه الخريف الماضي، من أن اتساع نطاق الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي، خاصة في الاقتصادات الناشئة المعتمدة على التصدير، مع زيادة مخاطر تفكك سلاسل الإمداد العالمية. وأعاد صندوق النقد التأكيد على أن التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة والصين ما زال يمثل خطرًا كامنًا على الاقتصاد العالمي. ففرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع الصينية أو غيرها من الإجراءات الحمائية قد يؤدي، على المدى المتوسط، إلى ارتفاع الأسعار داخل السوق الأميركية وزيادة معدلات التضخم، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. هذه الدورة يمكن أن تُحدث موجة صدمات مالية تتجاوز حدود الاقتصاد الأميركي. وبعد أشهر من الغموض الذي كان يكتنف مصير رسوم ترامب العشوائية، أصدرت المحكمة العليا في 20 شباط 2026 قرارًا، ايده ستة قضاة من اصل تسعة، (ستة قضاة من حزب ترامب الجمهوري) بعدم شرعية هذه التعريفات. وأكدت المحكمة أن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية لتبرير فرض رسوم جمركية إضافية، لا يمنح الرئيس سلطة فرض هذه الرسوم. هذا على الرغم من تصريح ترامب قبل المحكمة بأن الولايات المتحدة ستواجه كارثة اقتصادية وأمنية إذا ما حكمت المحكمة ضد هذه الرسوم!! ويمثل قرار المحكمة انتكاسة كبيرة لترامب، إذ اعتمد على الرسوم الجمركية كأداة تفاوضية ومصدر إيرادات، ما يفتح الباب أمام معركة قانونية ومالية معقدة بشأن مصير مليارات الدولارات التي ابتزها بالفعل من مجموعة من الدول. ورغم هذه الصفعة لترامب الا انه حذر الدول من التراجع عن الاتفاقيات التجارية التي تم التوصل اليها بطرق التفاوض مع واشنطن مهددًا بفرض رسوم أعلى. وقال إنه سيستبدل الرسوم الجمركية التي ألغتها المحكمة بضريبة بنسبة 10% على جميع البضائع القادمة إلى الولايات المتحدة، لكنه أعلن في اليوم التالي على موقع "تروث سوشيال" أنه سيتم زيادة هذه النسبة إلى 15%. وانها ستدخل حيز التنفيذ منذ يوم الثلاثاء 24 شباط 2026 وتظل سارية المفعول لمدة خمسة أشهر فقط قبل أن يتعين على الإدارة الحصول على موافقة الكونغرس. وأعلن ترامب إن إدارته لا تعتزم إعادة الأموال إلى الشركات التي دفعت رسومًا جمركية خلال العام الماضي، بادعاء أن قرار المحكمة العليا لم يتناول مسألة استرداد تلك المدفوعات بشكل مباشر. يبدو الآن واضحًا ان نتائج هذه السياسة الابتزازية المتهورة ستكون كارثية اولًا، على الاقتصاد الامريكي وعلى الشعب الامريكي بمجمله، وكذلك على الاقتصاد العالمي وبشكل خاص على الدول الفقيرة. جمود وتراجع الاجور نجح ترامب في الوصول الى السلطة، رغم كونه مليارديرًا ويحيط نفسه بأثرياء آخرين، في استغلال شعور السخط العميق لدى الامريكيين على المؤسسات السائدة: من الشركات الكبرى والنخب السياسية وأجهزة الدولة عمومًا مقدما نفسه البديل الوحيد المناهض للمؤسسة الحاكمة. لكن الحقيقة عكس ذلك ففي الوقت الذي نشهد استقطابًا فاحشًا في الثروة في ايدي حفنة صغيرة من الاثرياء، هناك عدد متزايد من العمال يواجهون صعوبات في تأمين لقمة العيش. فهم يعانون من تخفيضات التقشف وتآكل القدرة الشرائية للأجور بسبب التضخم وارتفاع فواتير الطاقة وأزمة سكن وغير ذلك. ووفقًا للمكتب إحصاءات العمل الأمريكي، فإن الأجور الحقيقية للعمال الأمريكيين ظلت راكدة أو تراجعت منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي، خصوصًا مع نقل الوظائف إلى بلدان أخرى. وهذا ما يؤكده أيضًا معهد السياسات الاقتصادية أن أجور الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط لم تشهد سوى نموًا ضئيلًا أو معدومًا منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، في حين استمرت تكاليف المعيشة بالارتفاع. ويفيد المكتب ان بنود الإنفاق التي تُشكّل العبء الأكبر على ميزانية الأسرة الأمريكية المتوسطة هي الغذاء، والسكن، والرعاية الطبية وخدمات رعاية الأطفال، وبالإشارة إلى اتجاهات الأسعار الوطنية، ارتفعت أسعار المنتجات الغذائية للمستهلكين بنسبة 36% بشكل عام بين عامي 2014 و2024. وفي هذا الصدد، يقول البروفسور، جورج سومرس، الذي يُدرس الاقتصاد السياسي بجامعة ويسكنسن، إنه على الرغم من الارتفاع الهائل في الناتج المحلي الأميركي خلال العقود السبعين الأخيرة، فإن الحد الأدنى للأجور لم يرتفع سوى بنسبة 75 سنتًا، وذلك بحساب الارتفاع الحقيقي الذي يأخذ في الاعتبار نسبة التضخم وخصمها من الدخل خلال هذه العقود!! إن الجذر الحقيقي للسخط المناهض للمؤسسة الحاكمة يكمن في أزمة النظام الرأسمالي بعد ان وصلت إلى أبعاد هائلة منذ أزمة 2008. الديمقراطية البرجوازية في البلدان الرأسمالية المتقدمة سعت لعقود من الزمن، إلى ترسيخ فكرة أن الرأسمالية قادرة على تلبية بعض الحاجات الأساسية للطبقة العاملة (الصحة والتعليم والتقاعد…الخ)، وزرع الامل بأن مستوى معيشة كل جيل سيتحسن مقارنة بالجيل السابق حتى لو كان ذلك بشكل طفيف. الأمر لا يبدو كذلك اليوم. ففي الولايات المتحدة، كان أكثر من 90% من الأشخاص البالغين من العمر 30 عامًا في سنة 1970 يجنون دخولًا أعلى من تلك التي جناها آباؤهم في نفس السن. أما في سنة 2010، فقد انخفضت هذه النسبة إلى 50%. وبحلول 2017، لم يكن أكثر من 37% من الأمريكيين يتوقعون أن أبناءهم سيحققون مستوى معيشة أفضل من مستواهم.

البيض يزدادون ثراءً والملونون يحصدون الفقر

تشير دراسة لمعهد بروكينغز للدراسات في واشنطن إلى الفوارق الضخمة في النفوذ السياسي وتوزيع الثروة في الولايات المتحدة. وتقول بيانات المعهد إن ثروة العائلات البيضاء تساوي 10 أضعاف ثروة العائلات المنحدرة من أصول أفريقية.

وتقدّر الدراسة صافي حجم ثروة الأمريكي الأبيض بحوالي 171 ألف دولار، بينما تقدّر ثروة نظيره من أصول أفريقية بحوالي 17.1 ألف دولار. وترى الدراسة أن ذلك يعكس حجم الفوارق المتزايدة بين المجتمعات من أصول أفريقية والبيضاء المتراكمة منذ عقود، بسبب العنصرية والتمييز في النفوذ السياسي والتعليم والفرص الوظيفية المبنية على اللون في أمريكا.

وحسب الدراسة، خلال سنوات أزمة المال العالمية في 2008 وما تلاها من ركود اقتصادي بين أعوام 2007 و2013، تراجعت الدخول الصافية للعائلات من أصول أفريقية بنسبة 44.3%، بينما تراجعت دخول العائلات البيضاء بنسبة 26%.

التفاوت في المداخيل والحرمان الشامل الذي تعانيه الجماعات المستضعفة من أصول أفريقية والسكان الأصليين (الهنود الحمر) والأمريكيين اللاتينيين، يترافق مع حرمان من الحقوق المدنية، ومستويات خطيرة من التعرض لنفايات صناعية، إضافة إلى التشرد وممارسات الإخضاع العنيفة للسلطات المحلية.

ووفقاً للطبيب النفسي البروفيسور نيفزت تارهان: "الجميع ضد العنصرية البيولوجية ولكنهم يوافقون بصمت على العنصرية الاقتصادية. لأن هناك مصلحة وراء ذلك. يكفي القول إن مواطناً أمريكياً واحداً يستهلك خمسة أضعاف ما يستهلكه أي مواطن آخر في العالم". ويضيف تارهان: "إذا لم يتم القضاء على عدم المساواة في الدخل، فإن الأزمة ستنفجر من شرارة صغيرة".

وخلصت دراسة طويلة الأجل لباحثين من جامعتَي برينستون وبون إلى أن فجوة الثروة العرقية تشكّل أكبر الفوارق الاقتصادية بين الأمريكيين من أصول أفريقية وبين البيض، حيث تبلغ نسبة ثروة الفرد من البيض 6 أضعاف ثروة الأمريكي من أصول أفريقية. وفي عام 2021 كان 19.5% من المواطنين من أصول أفريقية يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بـ 8.2% من البيض.

ما تعانيه الأسر ذات الأصول الأفريقية واللاتينيين والهنود الحمر في الولايات المتحدة من فقر طاحن يتسبب بموجات تفشي الأمراض على غرار ما يجري في البلدان الأقل نمواً في العالم. فمتوسط العمر المتوقع للمنحدرين من هذه المجموعات أقل بواقع خمس سنوات تقريباً من متوسط العمر المتوقع للبيض، ومعدل وفيات الأمهات أعلى من المعدل لدى البيض بما يقرب من ثلاث مرات.

وهذا الأمر حمل لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري في تقرير لها في أيلول 2022 على التأكيد أن الموروثات المتبقية من الاستعمار والعبودية لا تزال تغذي العنصرية والتمييز العنصري في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

مظاهر تراجع مكانة أمريكا

عربدات ترامب وتهديداته المتواصلة بالقوة الغاشمة وشعاره "أمريكا أولاً"، في الوقت الذي تشهد فيه أمريكا تراجعاً في مكانتها الاقتصادية عالمياً والاتساع غير المسبوق لقاعدة العداء لها على مستوى العالم، تصب الزيت على النار التي تحاصر الهيمنة الأمريكية وتعمل على تسريع التحالفات الدولية المعادية لأمريكا وسطوتها.

فالعدوان الأمريكي-الإسرائيلي الوحشي على إيران، والذي يفتقد إلى الشرعية ويهدد السلم والاقتصاد العالميين، وكذلك مغامرة ترامب في فنزويلا وخطف رئيسها المنتخب نيكولاس مادورو، وتصريحاته العنجهية بشأن غزة وكأنها ملكيته الخاصة وعزمه تحويلها إلى ريفيرا، ومطالبته بضم جرينلاند وكندا — كل ذلك صدم وأذهل دول العالم وسيفاقم منسوب العداء للولايات المتحدة.

وتتفاقم الأزمة الإنسانية للمهاجرين في المناطق الحدودية حيث يتعرضون للتعذيب والمعاملة غير الإنسانية وحتى القتل. لقد قتلت مليشيات وكالة الهجرة والجمارك "آيس" 32 أمريكياً في العام 2025 وستة آخرين منذ بداية 2026.

وهناك مؤشرات تدل على تدني الأداء في المجتمع الأمريكي؛ إذ إن معدل الجريمة في الولايات المتحدة هو الأعلى في العالم. وتنشط على الساحة الأمريكية عشرات التنظيمات الانفصالية ويطالب 21% من الأمريكيين بانفصال ولاياتهم وتأسيس جمهوريات منفصلة.

يقول الكاتب الأمريكي التقدمي فرانك براوننغ في كتابه "الجريمة على الطريقة الأمريكية": "تاريخ الجريمة في الولايات المتحدة ليس بمعزل عن التاريخ الأمريكي. فالجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق شعوب الأرض انما هي حالة منظمة دأب صناع القرار على تجذيرها في المجتمع الأمريكي وصولاً إلى تحقيق الرعب لدى شعوب العالم لفرض السيطرة الكاملة عليها."

وملخص القول لقد سقطت الولايات المتحدة، التي تأسست على الاستعمار والعبودية والعنصرية، بصورة أكبر في مستنقع الفشل والعجز في الحكم والانقسام العرقي والاضطرابات الاجتماعية في ظل نظام توزيع اقتصادي مستقطب. لكن يبدو من الطبيعي أن النظام الذي تأسس على الظلم لا يمكنه أن يكون عادلاً، والنظام الذي تأسس على العنصرية لا يمكنه أن يكون ديمقراطياً.